هندسة الشقاق: من المصطلحات الاستعمارية إلى الذباب الإلكتروني الصهيوني

تعرف على استراتيجيات هندسة الشقاق وحرب المصطلحات والذباب الإلكتروني الصهيوني في تفكيك النسيج العربي والواعي الرقمي.

هندسة الشقاق: من المصطلحات الاستعمارية إلى الذباب الإلكتروني الصهيوني
د. علاء أبو عامر

هندسة الشقاق وحرب المصطلحات

لم تكن الحروب الغربية عبر التاريخ عسكرية فحسب، بل سبقتها ورافقتها دائماً حرب مصطلحات ممنهجة؛ فالقوة التي تملك القدرة على تسمية الأشياء وتصنيف الشعوب، تملك القدرة على توجيه وعيها وصناعة واقعها السياسي.

من هنا، لم تكن تسميات تاريخية مثل النوميد أو السراسنة مجرد أوصاف جغرافية بريئة، بل كانت أدوات إمبراطورية قديمة لتعليب الشعوب وتأطيرها لتسهيل تصنيفهم كآخر أو كخصم، بعيداً عن حقيقة هويتهم الذاتية. هذا الإرث الاستعماري تلقفته الصهيونية العالمية لاحقاً، وحوّلته في العصر الرقمي إلى استراتيجية تفكيك ممنهجة تستهدف تمزيق النسيج العربي والإسلامي عبر الفضاء الإلكتروني.

الجذور التاريخية: الغرب وصناعة الآخر

عبر التاريخ، برع الغرب في اختراع مصطلحات تخدم مصالحه وتتجاهل الهوية الذاتية للشعوب:

تجريد الهوية المتجذرة: تعميم مصطلح السراسنة على المسلمين بمختلف أعراقهم من قِبل الرومان والبيزنطيين، كان يهدف إلى حصر الإسلام في قالب العدو الخارجي القادم من البادية، ونفي أبعاده الحضارية والعلمية والسياسية المشتركة.

صناعة الجغرافيا السياسية: في العصر الحديث، صاغ الاستعمار البريطاني مصطلح الشرق الأوسط، وهو مصطلح مركزي يرى المنطقة فقط من خلال بُعدها ومسافتها عن العواصم الأوروبية، ممهداً الطريق لتقسيم تركة الرجل المريض عبر اتفاقية سايكس بيكو وتفتيت الجغرافيا العربية المترابطة.

التبني الصهيوني: من التقسيم الجغرافي إلى التفكيك الإثني

مع زرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي، أدركت الحركة الصهيونية أن بقاءها مشروط بتفتيت محيطها؛ وبدلاً من مواجهة كتلة عربية إسلامية موحدة، جرى العمل على استراتيجيات تقسيمية مثل وثيقة عوديد ينون عام 1982 التي دعت علناً إلى تفتيت الدول العربية إلى دويلات طائفية وعرقية:

تغذية الهويات الفرعية: جرى نبش التاريخ بحثاً عن أي نزعة قومية قديمة فرعونية، فينيقية، أمازيغية، سريانية، أشورية وضخ الأموال والمناهج لإعادة إحيائها كنقيض وأيديولوجيا مضادة للهوية العربية الجامعة والمشتركة، لا حباً في التنوع الثقافي المحلي.

تحريف المصطلحات: تحولت الخصوصيات الثقافية المحلية بفعل التوجيه الأيديولوجي إلى أدوات صراع وعزل، وتصوير الروابط المشتركة اللغة والدين والجغرافيا كعوامل اضطهاد بدلاً من كونها عوامل وحدة وثراء حضاري.

من غرف العمليات إلى الشاشات: هندسة الفتنة عبر الوحدة 8200 والذباب الرقمي

لم تعد صناعة الفتنة وتفتيت الهويات بحاجة إلى جيوش ميدانية، بل باتت تُدار عبر نقرات الماوس وخوارزميات توجيه الرأي العام. خلف آلاف الحسابات والتعليقات التي تنبش يومياً في النعرات الطائفية والقومية والمذهبية على منصات التواصل الاجتماعي، تقف مصانع سايبر عسكرية واستخباراتية منظمة، أبرزها الوحدة 8200 التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي أمان.

تشتغل هذه الوحدات وفق استراتيجيات حرب نفسية وإلكترونية عابرة للقارات، وتتوزع مهامها على النحو التالي:

تزييف الهوية والاندماج المحتجب: يتم تدريب المجندين الذين يتقنون اللغة العربية بلهجاتها المحلية بدقة متناهية، ويعرفون العادات والتقاليد وأدق تفاصيل الشارع العربي، على إنشاء آلاف الحسابات الوهمية. يظهر هؤلاء في لبوس مواطن سعودي، أو جزائري، أو مصري، أو شيعي متعصب، أو سني متشدد، أو أمازيغي راديكالي.

تحليل البيانات الضخمة: استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد المواضيع الأكثر حساسية في كل مجتمع عربي على حدة؛ فإذا شهدت دولة ما توتراً اقتصادياً، أو سجالاً كروياً، أو نقاشاً فقهياً، تدخل هذه الوحدات فوراً لتعظيم الشرخ وتحويل الخلاف البسيط إلى معركة وجودية.

إدارة شبكات البوتات: ضخ آلاف الإعجابات وإعادة التغريد لتعليقات تثير الكراهية، مما يخدع خوارزميات المنصات مثل إكس وفيسبوك وتيك توك ويدفعها لرفع هذه التدوينات إلى التريند ليراها ملايين المستخدمين العاديين، فيظنون أنها تمثل رأي الشارع الحقيقي.

أمثلة حية من الحملات الرقمية الموجهة عبر القارات

يمكننا رصد نماذج حية لهذه المعارك المصطنعة التي تجتاح فضاءنا الرقمي يومياً:

1. حملات الصدام القومي: عرب ضد أمازيغ أو عرب ضد أكراد، حيث تنشط الحسابات الموجهة في دول شمال إفريقيا أو المشرق عند أي حدث ثقافي أو سياسي لتبث رسائل تحريضية لصناعة شرخ نفسي دائم بين أبناء الوطن الواحد.

2. إحياء الصراعات المذهبية: سنة ضد شيعة، عبر إغراق المنصات بمقاطع فيديو مجتزأة ونصوص تراثية خلافية مصحوبة بهاشتاغات تحريضية لضمان بقاء الشعوب في حالة استقطاب مذهبي أعمى.

3. النزعات الإقليمية والجهوية: حملات الشيطنة المتبادلة بين شعوب الدول المتجاورة لترسيخ فكرة أن ابن البلد المجاور هو عدوك ومصدر مشاكلك.

4. ظاهرة الوطنجمية وتشويه الوعي: صناعة تيارات رقمية وهمية ترفع شعار الوطنية الضيقة المتطرفة لعزل الشعوب عاطفياً وسياسياً عن قضاياها الكبرى.

خاتمة: الوعي اللغوي والرقمي خط دفاع أول

إن تفكيك هذه المنظومة يبدأ من الوعي بملكية المصطلحات وفهم آليات الحرب الرقمية. عندما تدرك الشعوب أن المعارك الافتراضية التي تُدار على شاشاتهم هي معارك مصطنعة في غرف استخباراتية دولية، تسقط فاعلية هذا السلاح فوراً. مواجهة التفتيت الصهيوني لا تكون بإنكار التنوع الإثني أو الثقافي للمنطقة، بل بفهم أن هذا التنوع كان دائماً مصدر ثراء داخل حضارة جامعة.