وشاح السَّهب وظل الأرجوان: كيف غزل السكيثيون والحجاج الأوكران "الفيشيناكا" من صلاة كنعان
اكتشف الجذور التاريخية والتبادل الثقافي بين التطريز الفلسطيني الكنعاني والفيشيناكا الأوكرانية وعلاقتها بالسكيثيين والحجاج.
بقلم: د. علاء أبوعامر
يتصور العقل الأكاديمي الاستعماري، الذي اعتاد على رؤية التاريخ من نوافذ المتاحف المغلقة، أن حركة الشعوب في العصور القديمة كانت أشبه بقطارات صامتة تمر بالمحطات دون أن تترك خلفها أثرًا أو تأخذ معها زادًا. وحين يُواجه بنص هيرودوت الشهير الذي يوثق وصول السكيثيين إلى "سوريا الفلسطينية" ومرورهم بعسقلان، وتحديدا عند معبد أفروديت الكنعانية —وهي ذاتها عشتروت إلهة الخصب والنسيج— يغمض عينيه عن حتمية التبادل الأنثروبولوجي ويطالب بـ "لقية أثرية مكتوبة" تثبت أن السكيثي تعلم النسيج من الفلسطيني! وهو طرح يتجاهل كيف يمتص المحاربون والرحالة ثقافات الحواضر الكبرى التي يمرون بها.
إن السكيثيين، الذين جاؤوا من سهول أوكرانيا والقرم، لم يكونوا مجرد برابرة عابرين؛ بل كانوا مجتمعات رعوية وتجارية وثيقة الصلة بحوض البحر الأبيض المتوسط. وحين استقروا في فلسطين لقرون، واحتكوا بمدن الفلستيين الكنعانيين، فإنهم لم يقفوا عند أسوار المعابد ناهبين فقط، بل فُتنوا بترف الحياة المادية وسحر المنسوجات الكنعانية الفاخرة التي كانت تُصدّر لكل العالم القديم. لقد أخذ السكيثيون معهم في طريق عودتهم إلى الشمال تقنيات الصباغة بالأرجوان، وفلسفة توزيع الوحدات الزخرفية الهندسية فوق الكتان، وهي ذاتها الأنماط التي ظهرت لاحقًا في الفنون السكيثية المحفورة في مقابرهم "الكورغانات" في أوكرانيا، حيث يمتزج الشموخ الحيواني بالهندسة النباتية الكنعانية الشجرية كعرق السرو وسنابل القمح. إن انتقال الغرزة لم يكن بحاجة إلى "كتيب تعليمات" أثري، بل سافر كبضاعة فاخرة، وكسحر ملبسي تبنته النخب السكيثية كرمز للرفاهية المكتسبة من مهد الحضارات المتوسطية.
ولكن، إذا كانت رحلة السكيثيين تمثل جسر السَّهب القديم، فإن التاريخ لم يتوقف هناك؛ بل تكرست هذه القرابة البصرية بعمق أكبر وأكثر صرامة مع بزوغ فجر المسيحية. وهنا يبرز الجسر الثقافي الروحي الأعظم: "رحلات الحج الأوكرانية والروسية القديمة" إلى الأراضي المقدسة في فلسطين. لقرون طويلة، كان الآلاف من الحجاج والراهبات القادمين من حواضر كييف وأوكرانيا يقطعون آلاف الأميال مشيًا على الأقدام، أو عبر الموانئ ليمكثوا في أديرة القدس، وبيت لحم، والناصرة، وأريحا. ولم يكن الحج طقسًا عباديًا مجردًا، بل كان رحلة انغماس كامل في تفاصيل "الأرض المقدسة".
في أديرة بيت لحم والقدس، حيث كانت المرأة الفلسطينية تطرز نجمة عشتروت التي تحولت إلى "نجمة بيت لحم"، كانت الراهبات والحاجّات الأوكرانيات يتعلمن مباشرة من النساء الفلاحات "القطبة الفلاحية" المتقاطعة. لقد حُملت هذه الغرز والرموز —النجمة الثمانية، شجرة الحياة العلوية، وعروق الطيور الحارسة— كذخائر روحية مقدسة في حقائب الحجاج العائدين إلى بلادهم. هناك، في السهول الأوكرانية، امتزجت هذه الرموز المشرقية بالعقائد المحلية، لتولد ما يُعرف اليوم بـ "الفيشيناكا" (Vyshyvanka)، وهو التطريز الأوكراني التقليدي الذي يعتمد بشكل مذهل على ذات الغرزة المتقاطعة، وذات توزيع الرموز على الصدر والأكمام، ويحمل نفس القداسة والمكانة الوجودية التي يحملها الثوب الفلسطيني في حماية الهوية ضد المحو.
إن الهجوم على هذه الرابطة التاريخية يحاول تناسي أن الفنون الشعبية هي كائنات حية تتنفس عبر الحدود، وأن "الفيشيناكا" في أوكرانيا والثوب في فلسطين هما ابنا رحم حضاري وروحي واحد؛ ولد الأول من رحم السيادة الكنعانية القديمة والتلاقح مع السكيثيين، وتكرس الثاني عبر تراتيل الحاجّات الأوكرانيات اللواتي وجدن في خيوط نساء بيت لحم والقدس وفلسطين عموماً نورًا سماويًا نقلنه إلى قراهن في الشمال.
في النهاية، لا يحتاج الرابط البصري والروحي بين الثوب الفلسطيني والفيشيناكا الأوكرانية إلى إذن من مدرسة أثرية غربية تحاول عزل الشعوب في جزر منفصلة. إن هندسة الغرزة المتقاطعة، وثبات النجمة ثمانية الرؤوس على صدور النساء من جبال الجليل حتى سهول كييف، هو توقيع كنعاني عابر للقارات. لقد قاد السكيثيون قديماً، والحجاج الأوكران حديثاً، رحلة أسطورية نقلت صلاة الطين وحرير يافا وبيت لحم ليصبح درعًا بصريًا في شمال أوروبا. ومن ينكر هذا الاتصال الحي المتواتر في غرز القماش، إنما يختار أن يعيش في عتمة الجهل بحركة الروح الإنسانية التي كتبت تاريخها بالخيط حين عجزت السياسة عن كتابته بالعدل.
....
هذا المقال تفنيد لمن حاول تفنيد مقالي حول انتقال التطريز الكنعاني عبر السكيث إلى أوكرانيا، طبعا هم من الصهاينة وليس العرب الصهاينة فقط .