معادلة باب المندب الجديدة: هل يفرض "الخذلان الحليف" على الرياض خيار السلام الشامل مع صنعاء وطهران؟"
تحليل سياسي يكشف تفاصيل معادلة باب المندب الجديدة وتداعيات خذلان الحليف على خيارات الرياض الاستراتيجية للسلام الشامل مع صنعاء وطهران وحماية أمن الطاقة.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تُشير التطورات الميدانية والدبلوماسية المتلاحقة في منطقة الخليج والبحر الأحمر إلى أن المملكة العربية السعودية باتت تقف أمام واقع سياسي وعسكري معقد يفرض عليها مراجعة شاملة لخياراتها الاستراتيجية. إن استمرار الهجمات بالصواريخ والمسيرات على المنشآت الحيوية في جنوب المملكة، والتي دفعت بأسعار النفط إلى تجاوز حاجز المئة دولار، أعاد وضع الأمن القومي السعودي وأمن الطاقة العالمي في قلب أزمة مفتوحة تتطلب حلولاً تتجاوز الصيغ التقليدية السابقة.
بدأت ملامح هذا التحول تتكشف بوضوح عقب جولة من الاتصالات المكثفة التي أجراها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالب فيها الجانب السعودي بضربات عسكرية أمريكية مباشرة ورادعة لكبح الاندفاعة العسكرية للحوثيين. إلا أن الموقف القادم من واشنطن جاء مخيباً للآمال؛ حيث رفض ترامب الانزلاق في مواجهة عسكرية مباشرة في اليمن أو البحر الأحمر، مفضلاً الاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباراتي وتأمين منظومات الدفاع الخلفية للمملكة.
ولم يكن هذا الانكفاء الأمريكي هو التحدي الوحيد أمام الرياض، بل تلاه ظهور حدود واضحة لـ "اتفاقية مكة للدفاع المشترك". فرغم الآمال التي عُلقت على حشد جبهة إقليمية تضم باكستان وتركيا، سارعت إسلام آباد وأنقرة إلى إعلان أن التحالف ذو طبيعة دفاعية مخصصة لحماية أمن المملكة الداخلي فقط، وليس تفويضاً للمشاركة في عمليات هجومية أو خوض حرب استنزاف بالوكالة ضد النفوذ الإيراني.
انعكست هذه الأجواء الدبلوماسية الباردة سريعاً على الخارطة الميدانية في الداخل اليمني؛ إذ تعيش التشكيلات العسكرية والقوى المحلية المتحالفة مع السعودية حالة من التراجع المتسارع. فبعد السيطرة الخاطفة للحوثيين على مدينة المخا الاستراتيجية وجزر البحر الأحمر المتحكمة في مضيق باب المندب، أكدت تسريبات ميدانية وجود انسحابات متتالية لتلك القوات من جبهات حيوية في الضالع، وسط مخاوف سياسية جادة من توجه حوثي وشيك للسيطرة التامة على الضالع والتقدم نحو العاصمة المؤقتة عدن.
أمام هذا الانكفاء من الحلفاء والتآكل الميداني على الأرض، لم يعد أمام صناع القرار في الرياض سوى تبني "دبلوماسية واقعية" لحماية الشريان الاقتصادي للمملكة وضمان استقرار "رؤية 2030". ومن هنا، تبرز ملامح "صفقة الضرورة" كمسار وحيد متبقٍ لإدارة الصراع؛ تسوية شاملة تقوم على مقايضة حتمية ومباشرة مع كل من طهران وصنعاء.
تتمحور هذه التسوية حول معادلة واضحة: رفع الحصار الكامل عن الموانئ والمطارات اليمنية، والسماح بتدفق السلع وصرف الرواتب، مقابل الحصول على ضمانات أمنية قطعية تلزم الحوثيين بوقف أي استهداف للعمق السعودي، وتأمين سلامة ناقلات النفط وحرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.
إن التحولات المتسارعة تضع السياسة الخارجية السعودية أمام لحظة الحقيقة. فبعد سنوات من الرهان على المظلة الأمنية الغربية والاتفاقيات الدفاعية، أثبتت الوقائع الميدانية أن أمن المنطقة لا يمكن استيراده من الخارج عند احتدام الأزمات. وفي نهاية المطاف، يبدو أن طريق الرياض لتأمين استقرارها الاقتصادي بات يمر حتماً عبر بوابتي صنعاء وطهران، صياغةً لمعادلة سلام تحكمها لغة المصالح المشتركة والاعتراف بالحقائق الميدانية الجديدة.