تهجير الفلسطينيين: خطة بن غفير لترحيل 1.86 مليون من غزة
تصعيد إسرائيلي رسمي يفضح مخططات التهجير
تصاعدت خلال الأيام الماضية التصريحات الإسرائيلية الرسمية بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، في تطور لافت يكشف عن نوايا ممنهجة تتجاوز الخطاب العسكري إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فبعد ثلاثة أعوام من الحرب المدمرة، خرج وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتفاصيل خطة تفصيلية لدفع نحو 1.86 مليون فلسطيني إلى مغادرة غزة خلال سبع سنوات، فيما أكد وزير الجيش يسرائيل كاتس وجود "خطة جاهزة" للغرض ذاته تنتظر فقط ضوءاً أخضر أمريكياً من الرئيس دونالد ترامب. وتأتي هذه التطورات في وقت تسيطر فيه القوات الإسرائيلية على نحو 60% من مساحة القطاع، وفق اعتراف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مما يعيد رسم المشهد الجيوسياسي في غزة بشكل خطير.
كاتس: خطة جاهزة.. وترامب جمدها لكنه لم يحذفها
في مؤتمر صحفي عقده الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول 2026، زعم وزير الجيش يسرائيل كاتس أن "الحل الحقيقي" لملف غزة، من وجهة نظره، لا يكتمل من دون إخراج أعداد كبيرة من سكانها "براً وبحراً وجواً". وقال كاتس إن هذا التوجه "جُمّد" من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنه "لم يُحذف من الطاولة تماماً"، مضيفاً أن الحكومة الإسرائيلية "منظمة ومستعدة لتنفيذ الخطوة بكل الوسائل الممكنة متى تحددت الوجهة التي يمكن نقل السكان إليها". وتعتبر هذه التصريحات الأولى من نوعها التي يعلن فيها مسؤول إسرائيلي بهذا المستوى عن وجود خطة تهجير جاهزة، في إشارة إلى أن المخططات الإسرائيلية تتجاوز مرحلة التمني إلى التجهيز العملياتي الميداني.
ويرى مراقبون أن تصريحات كاتس تأتي في سياق انتخابي إسرائيلي محموم، حيث يسعى اليمين المتطرف لتقديم وعود انتخابية جريئة لجمهوره، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حالة من الإجماع الإسرائيلي الواسع حول ضرورة تغيير التركيبة السكانية للقطاع، وإن اختلفت الآليات والجداول الزمنية. كما أن الإشارة إلى "ضوء أخضر أمريكي" تطرح تساؤلات حول حجم التنسيق بين تل أبيب وواشنطن بشأن مستقبل غزة، خاصة في ظل العلاقة الوثيقة بين إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية الحالية.
بن غفير يكشف تفاصيل "فك الارتباط 710"
بعد يوم واحد من تصريحات كاتس، طرح بن غفير، زعيم حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرف، تفاصيل خطة أوسع أعدها على مدى نحو عام ونصف، بحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية. وتحمل الخطة اسم "فك الارتباط 710"، وتقوم على ما يسميه بن غفير "الهجرة الطوعية" من غزة، وهي تهدف وفق التسريبات الإسرائيلية إلى إخراج 250 ألف فلسطيني خلال السنة الأولى، و1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، ونحو 1.86 مليون خلال سبع سنوات، أي أكثر من 80% من سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من 2.2 مليون نسمة.
وتستند الخطة، وفق الصحيفة الإسرائيلية، إلى 12 مبدأ من بينها ما يصفه بن غفير بـ"المغادرة الطوعية"، وشرط عدم مغادرة أي شخص من دون وجود دولة مستقبِلة ووضع قانوني منظم. وتشمل تفاصيلها توفير دولة وجهة لكل فرد أو عائلة، ووثائق وتأشيرات وتمويل سفر وسكن أولي، إضافة إلى تدريب مهني ومساعدة في التوظيف ودعم مالي لمدة تصل إلى 24 شهراً. كما يعتزم بن غفير المطالبة بإنشاء وزارة مستقلة لما يسميه "الهجرة الطوعية"، تضم وزيراً ومديراً عاماً وميزانية وفريقاً للتفاوض الدولي.
وقال بن غفير إن "حلمه" هو تشجيع الناس على مغادرة غزة، معرباً عن رغبته في رؤية حافلات وطائرات وقوافل تنقل السكان من القطاع، وزعم أن ذلك قد يشكل حلاً "واقعياً"، مدّعياً وجود دول مستعدة لاستقبال سكان غزة من دون أن يكشف عن أسمائها. وتسعى خطة بن غفير لأن تكون ورقة مركزية في حملته الانتخابية قبل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، والضغط باتجاه تبنيها كشرط لانضمام حزبه إلى أي ائتلاف حكومي مقبل.
وبحسب تقارير إسرائيلية، أبدى رئيس الوزراء نتنياهو في السابق تحفظات مغلقة على خطوة بهذا الحجم، رغم ترويجه لفكرة "الهجرة الطوعية" في مناسبات علنية سابقة، مما يشير إلى انقسامات داخل الائتلاف الحاكم حول حجم ووتيرة التهجير، لكن الإجماع يبقى قائماً على المبدأ الأساسي المتمثل بتقليص الوجود الفلسطيني في القطاع.
سياق ميداني: سيطرة على 60% من مساحة القطاع
تتزامن هذه التصريحات مع تأكيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال تسلله لقطاع غزة، أن قوات الاحتلال تسيطر على نحو 60% من مساحة القطاع، وأنها لن تنسحب من هذه المناطق. ويرى حقوقيون أن الجمع بين تصريح كاتس عن تهجير من تبقى من السكان، وتصريح نتنياهو عن ضم الأرض بحكم الأمر الواقع، يكشف عن "مخطط واضح لإعادة هندسة قطاع غزة جغرافياً وديمغرافياً"، بما يتناقض مع أي التزامات معلنة بشأن انسحاب القوات أو إعادة الإعمار.
ويشير واقع الحال إلى أن نحو 2.2 مليون فلسطيني محشورون اليوم في نحو 30% فقط من مساحة القطاع، مع استمرار القيود المشددة على إدخال مواد البناء رغم أن الدمار طال أكثر من 80% من المباني. وتزامنت التصريحات الإسرائيلية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن توسيع مناطق "المنطقة العازلة" على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع، مما يضيف مساحات جديدة إلى الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل فعلياً ويعزز فرضية تغيير الواقع الجغرافي بما يتلاءم مع مخططات التهجير السكاني.
حصيلة الضحايا وواقع الحصار
يشير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في بيانه إلى أن آخر حصيلة رسمية تتحدث عن استشهاد 73,470 فلسطينياً وإصابة 174,540 آخرين من أصل نحو 2.2 مليون نسمة يقطنون القطاع، أي ما يعادل نحو 12% من السكان - أو شخص واحد من كل تسعة أشخاص - بين قتيل وجريح خلال أقل من ثلاث سنوات. ويؤكد المركز أنه حتى الآن لم تبدأ أي عملية فعلية لإعادة الإعمار في القطاع، في ظل استمرار قيود مشددة على إدخال مواد البناء، واستمرار العراقيل أمام عمل وكالة الأونروا ودخول المساعدات الإنسانية، مما يخلق بيئة معيشية قاسية تدفع الفلسطينيين إلى حافة النزوح القسري دون حاجة إلى إجبار مباشر.
ردود فعل حقوقية: جريمة نقل قسري للسكان
يعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن أي مسعى لإخراج الفلسطينيين من غزة - سواء بالقوة المباشرة أو عبر آليات "طوعية" أو إنسانية ظرفية - يندرج ضمن جريمة النقل القسري للسكان التي يجرّمها نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية. ويدعو المركز المجتمع الدولي إلى التعامل مع هذه التصريحات المتتالية بجدية باعتبارها إنذاراً مبكراً بأكبر عملية تطهير عرقي وتهجير جماعي في القرن الحادي والعشرين، ومحاسبة المسؤولين عنها بدلاً من الاكتفاء بإدانتها.
كما يطالب المركز بالضغط على إسرائيل لوقف كل الإجراءات المؤدية لاستمرار النزوح القسري، ورفع القيود عن إدخال مواد الإيواء والبناء ومعدات إزالة الركام، وضمان عودة آمنة وطوعية وكريمة للمدنيين إلى مناطقهم، وتمكينهم اقتصادياً لاستعادة مساكنهم وحياتهم. وتأتي هذه الدعوات في وقت تواصل فيه إسرائيل إغلاق كامل للمعابر التجارية ومنع دخول أكثر من 90% من احتياجات غزة الأساسية، في سياسة وُصفت بأنها "حصار مضاعف" يهدف إلى إجبار السكان على المغادرة.
السياق السياسي: ملف "الهجرة الطوعية" منذ بداية الحرب
لا تنفصل هذه التصريحات عن خطاب علني وُثّق في إسرائيل منذ الأسابيع الأولى للحرب على غزة، حين رافقت دعوات التهجير أوامر إخلاء قسري غير قانوني شملت محافظتي غزة وشمالها، ثم امتدت إلى مناطق شرق خان يونس ورفح، في مسار أفضى عملياً إلى تهجير الغالبية العظمى من سكان القطاع داخلياً، مع تدمير منازلهم وبنيتهم التحتية. وبعد نحو ثلاث سنوات، تتكرر اللغة والنوايا ذاتها على لسان أعلى المسؤولين الأمنيين والسياسيين في إسرائيل، هذه المرة في هيئة خطة مكتوبة تحمل أهدافاً زمنية وتمويلاً وهيكلاً حكومياً مقترحاً، في إشارة إلى تحول المخطط من مجرد تصريحات عابرة إلى مشروع سياسي منظم يجري إعداده للتنفيذ.
ويدرك المراقبون أن هذا التصعيد الخطابي الإسرائيلي يأتي في توقيت حساس، مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، حيث تحاول الأحزاب اليمينية استقطاب الناخبين بوعود متطرفة، غير أن التحذيرات الحقوقية تشير إلى أن هذه التصريحات ليست مجرد دعاية انتخابية، بل تعكس تحولاً جوهرياً في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة، مدعوماً بتغيرات في الإدارة الأمريكية قد تتيح مساحة أكبر لتنفيذ هذه المخططات.
تشبث فلسطيني بالأرض في مواجهة مخططات التهجير
في مقابل هذا التصعيد الإسرائيلي المتواصل على مستوى الخطاب والتخطيط، يصر الفلسطينيون على التشبث بأرضهم وإفشال كل مساعي التهجير القسري، ويترجمون ذلك عملياً على الأرض لا في الخطاب فقط. ومن أبرز تجليات هذا الإصرار أن مئات العائلات الفلسطينية المتواجدة في مصر بادرت بتسجيل أسمائها للعودة إلى مناطقها في قطاع غزة، بل إن بعضها اضطر لدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل تأمين وسيلة للعودة إلى ديارها، رغم حجم الدمار الهائل الذي طال المنازل والبنية التحتية، ورغم المخاطر الفعلية التي ما زالت تحيط بطرق العودة وبالحياة داخل القطاع نفسه.
ويقرأ مراقبون في هذا المشهد رسالة شعبية واضحة مفادها أن الفلسطينيين، رغم القتل والتدمير والحصار، ما زالوا يتمسكون بحقهم في البقاء في أرضهم، بما يفرغ أي خطة "هجرة طوعية" من مضمونها الفعلي على أرض الواقع. ويشير مراقبون إلى أن هذا التشبث الشعبي يمثل خط الدفاع الأول ضد مخططات التهجير، ويشكل تحدياً كبيراً للاحتلال، حيث إن تنفيذ أي خطة تهجير بشكل قسري قد يواجه مقاومة شعبية واسعة تزيد من تعقيد المشهد وتجعل أي محاولة لفرضها مكلفة للغاية عسكرياً وأخلاقياً وقانونياً.
كما أن استمرار المؤسسات الأهلية والخدمات الأساسية في العمل بشكل محدود، رغم الحصار والدمار، يعد مؤشراً آخر على تمسك الفلسطينيين بحياتهم في غزة، ورفضهم الانصياع لسيناريو "التهجير الطوعي" الذي يحاول الاحتلال ترويجه. وتؤكد هذه التطورات أن مستقبل غزة سيبقى رهناً بإرادة أهلها الذين دفعوا ثمناً باهظاً من أرواحهم وممتلكاتهم، لكنهم مصرون على البقاء في أرضهم ومقاومة كل محاولات اقتلاعهم منها.
المصدر: يلا نيوز نت