خيانة الأقرباء: كيف غذت الشراكة الاقتصادية العربية عدوان الاحتلال على غزة

قراءة صحفية توثق بالأرقام والوقائع خيانة الأنظمة العربية لغزة المبادة عبر شريان تجاري واقتصادي لم يتوقف لحظة واحدة.

خيانة الأقرباء: كيف غذت الشراكة الاقتصادية العربية عدوان الاحتلال على غزة
خيانة الأقرباء: كيف غذت الشراكة الاقتصادية العربية عدوان الاحتلال على غزة

في الوقت الذي يخوض فيه شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة ملحمة صمود أسطورية أمام أعتى آلات الإبادة والمجاعة الممنهجة، تكشف لغة الأرقام عن وجه آخر للحرب؛ وجه يتجسد في تحول العواصم العربية إلى شريان حياة يمد الاحتلال الإسرائيلي بأسباب القوة والانتعاش الاقتصادي. إنها ليست مجرد بيانات تجارية صماء، بل هي شهادة للتاريخ توثق كيف اختارت أنظمة عربية تعميق شراكتها مع المحتل على جثث الأطفال وآهات المحاصرين.

مرحلة التمهيد: تسارع خطى التطبيع قبل السابع من أكتوبر

شهدت الفترة التي سبقت السابع من أكتوبر 2023 اندفاعاً غير مسبوق من دول عربية نحو الحضن الإسرائيلي تحت مظلة "اتفاقيات إبراهيم" الموقعّة في سبتمبر 2020. ففي عام 2021، قفز التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل إلى 1.22 مليار دولار، قبل أن يتضاعف بنسبة 109.7% في عام 2022 ليصل إلى 2.56 مليار دولار، ثم يتجاوز حاجز 2.9 مليار دولار في عام 2023، مدعوماً باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة في أبريل 2023 التي ألغت الرسوم الجمركية على 96% من السلع.

وعلى المسار الموازي، كانت مصر والأردن يوثقان ارتهانهما للاحتلال في قطاع الطاقة والمياه؛ حيث ارتفعت صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر بنسبة 28% في عام 2023 لتصل إلى 6.3 مليار متر مكعب، ضمن إجمالي صادرات بلغ 11.6 مليار متر مكعب لمصر والأردن معاً. وفي المغرب، تضاعف حجم التجارة مع الكيان ليصل إلى 116.7 مليون دولار في عام 2023، متزامناً مع اختراق أمني وعسكري واسع.

ما بعد أكتوبر 2023: اتساع التجارة على وقع مجازر الإبادة

لم تدفع دماء شهدائنا المراقة في شوارع غزة هذه الدول إلى قطع علاقاتها أو حتى تجميدها، بل استمر الانتعاش الاقتصادي بشكل صادم. ففي الإمارات، ورغم الانخفاض المؤقت في الأشهر الأولى للعدوان، سرعان ما قفز التبادل التجاري في فبراير 2024 ليحقّق رقماً قياسياً بـ 277 مليون دولار. وتواصل النمو ليسجل 3.254 مليار دولار في عام 2024، و3.209 مليار دولار في 2025، وصولاً إلى الربع الأول من عام 2026 بحجم تبادل بلغ 788.7 مليون دولار، ليتجاوز إجمالي التجارة بين الجانبين منذ توقيع الاتفاقيات حاجز 14.08 مليار دولار.

وفي مصر، بلغت الشراكة ذروتها في أغسطس 2025 بإعلان صفقة الغاز التاريخية التي اقرها الكنيست الإسرائيلي رسمياً في 17 ديسمبر 2025، بقيمة ضخمة بلغت 35 مليار دولار لشراء 130 مليار متر مكعب من الغاز حتى عام 2040، وهي الصفقة التي وصفها نتنياهو بأنه الأكبر في تاريخ الكيان. وبحلول يوليو 2026، رفعت إسرائيل صادراتها من الغاز لمصر بنسبة 26.3% لتصل إلى 1.2 مليار قدم مكعب يومياً.

أما المغرب، فقد بلغت صادرات الاحتلال إليه 115.75 مليون دولار في عام 2025، مقابل واردات بلغت 111.75 مليون دولار، مع تعميق الشراكة العسكرية التي جعلت 51% من المنظومات الدفاعية الموردة للرباط ذات مصدر إسرائيلي. وفي الأردن، استمرت التبعية في قطاعي الطاقة والمياه بتوريد 50 مليون متر مكعب سنوياً والصادرات الإسرائيلية البالغة 96.64 مليون دولار، في حين سجلت التجارة مع البحرين تقلبات واصلت العمل التجاري رغم التراجع الحاد في عام 2025.

الجسر البري والموانئ البحرية: إمدادات تجارية وإطعام للمستوطنين

ولم تتوقف الخيانة عند حدود التبادل السلعي، بل تعدتها إلى إنقاذ سلاسل الإمداد الإسرائيلية وتأمين المواد الغذائية والخضار الطازجة للأسواق والمستوطنات الإسرائيلية عبر شرايين خضراء في أوج الحصار. ففي فبراير 2024، بدأ تشغيل "الجسر البري" لنقل البضائع عبر شركة "Trucknet" الإسرائيلية، ينطلق من ميناء جبل علي في دبي وميناء سلمان في البحرين، مروراً بالأراضي السعودية والأردنية وصولاً إلى ميناء حيفا، مما اختصر زمن الشحن إلى بضعة أيام بدلاً من 14 يوماً وتكفل بتوفير السلع الغذائية للمستوطنين دون انقطاع.

وفي الوقت نفسه، تحولت الموانئ المصرية إلى محطات رئيسية لإمداد الكيان المحتل، حيث رُصدت عشرات الرحلات التجارية بين الموانئ المصرية والإسرائيلية والتركية، والتي شملت مواد حيوية وشحنات ذات استنزاف عسكري، كالفولاذ المستخدم في المجهود الحربي الذي شُحن في أبريل 2026.

المأساة الإنسانية: غزة تموت جوعاً أمام شوارع إمداد مفتوحة وإنزالات رمزية

على الطرف المقابل من هذا المشهد المخزي، كان قطاع غزة المحاصر ملطخاً بدماء الجياع. فبينما كانت الشاحنات والسفن المحملة بالخضار والمواد التموينية تعبر الأراضي والموانئ العربية لتصل رغدة إلى الأسواق الإسرائيلية، كانت المعابر الحدودية المتاخمة لغزة تُغلق بقرار إسرائيلي وصمت عربي مريب، ليتم منع دخول الغذاء والدواء والبضائع الأساسية عن أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في بقعة جغرافية خنقها التستُّر والعجز.

وأمام هذا الحصار الخانق والوقوف الصامت تجاه إغلاق المعابر، اكتفت بعض الدول العربية بمسرحيات "الإنزالات الجوية" الرمزية والاستعراضية، والتي لم تكن سوى ذر للرماد في العيون ومحاولة لترميم المواقف أمام الشعوب. تلك الإنزالات التي تساقطت كمياتها الشحيحة في البحر أو بين أنقاض الركام دون أن تسد رمق أطفال يموتون هزالاً، واكتست بطابع دعاية إعلامية في وقت كان فيه حرياً بهذه الدول فتح معابرها البرية وفرض دخول آلاف الشاحنات التموينية المكدسة على الحدود.

وتؤكد التقارير الدولية أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة ما زالوا يعانون من انعدام أمن غذائي حاد، مع وجود أكثر من 500 ألف شخص في مرحلة الطوارئ وأكثر من 100 ألف شخص في مرحلة الكارثة المطلقة، فضلاً عن تسجيل أكثر من 100 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد. وقد أسفر هذا الحصار وتواطؤ خنق الإمدادات عن تسديد أرقام مفجعة في وفيات سوء التغذية والجوع، والتي كان آخرها تسجيل 10 شهداء خلال 24 ساعة فقط في يوليو 2026 نتيجة الجوع العضال، لتضاف هذه الكارثة إلى المأساة الكبرى التي خلّفت أكثر من 73,054 شهيداً و173,480 جريحاً معظمهم من النساء والأطفال.


المصدر: يلا نيوز نت 

تاريخ النشر: 21 يوليو 2026