إبراهيم الخليل: تنزيه الملة واسترداد الإرث الحضاري بين المراجع التاريخية والتنزيل الإلهي

قراءة نقدية في مقال د. علاء أبوعامر لتفنيد الروايات الاستيطانية وإثبات أسبقية إبراهيم الخليل عليه السلام وابطال إسقاط المصطلحات المتأخرة

إبراهيم الخليل: تنزيه الملة واسترداد الإرث الحضاري بين المراجع التاريخية والتنزيل الإلهي
إبراهيم الخليل: تنزيه الملة واسترداد الإرث الحضاري بين المراجع التاريخية والتنزيل الإلهي

بقلم:د.علاء أبوعامر 

شهد الخطاب الثقافي في الآونة الأخيرة انزلاقاً لدى بعض المقالات والتعليقات نحو التسليم بالروايات الاستيطانية الطارئة، عبر السخرية من شخصية إبراهيم الخليل عليه السلام والتبرؤ من انتساب الأمة إليه بداعي التفاخر بالجذور الكنعانية القديمة. وهذا المسلك ينطوي على تجريد مجاني للأمة العربية والإسلامية من عمقها الديني والحضاري، وإهداء رموزها التاريخية على طبق من ذهب لمنظومات أيديولوجية حديثة تسعى لاحتكار التاريخ.

أولاً: التصحيح التاريخي والمفهومي: أسبقية إبراهيم وزيف إسقاط المصطلحات المتأخرة

من الناحية العلمية والتاريخية، يُعدّ إسقاط مصطلح "يهودي" على عصر إبراهيم مغالطة تاريخية وجغرافية جسيمة؛ إذ إن هذا المصطلح لم يبرز كدلالة جغرافية وإدارية إلا بعد العصر الفارسي في إقليم محدود من أرض فلسطين التاريخية (إقليم يهوذا/يهود)، ولم يتحول إلى نظام ديني وفقهي مؤطر إلا في العصور المتأخرة وتحديداً في القرن الخامس الميلادي مع تبلور الفقه التلمودي في العصر البيزنطي.

وعند مراجعة العهد القديم، لا يوجد نص واحد يدعي أن إبراهيم كان ينتمي لهذه المنظومة المذهبية المتأخرة. بل إن النصوص ترجع نسبه إلى "شالح" (سفر التكوين: الفصل 11)، وهو المقابل اللغوي للنبي "صالح"، وفق ظاهرة التبادل الصوتي المعروفة بين الشين والسين بين اللغات السامية القديمة.

أما من الناحية اللاهوتية، فلم يعرف إبراهيم وبنوه الإله الإقليمي الذي أُدخل لاحقاً في الثقافة المحلية، بل آمنوا بـ "إيل عليون" (El Elyon - الإله العلي المتفرد). ويؤكد ذلك نص توراتي صريح في سفر الخروج (6: 2-3) على لسان الرب مخاطباً موسى: "وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ: أَنَا الرَّبُّ. وَأَنَا ظَهَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِأَنِّي «الإِلَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». وَأَمَّا بِاسْمِي «جَهْوَهْ» فَلَمْ أُعْرَفْ عِنْدَهُمْ."

ثانياً: التوثيق الإنجيلي وأعمال الرسل: نفي النسب الإيماني والجذور الجغرافية

في العهد الجديد، جاء الرد المسيحي حاسماً في التمييز بين الانتساب الدنيوي أو الجغرافي وبين الوراثة الإيمانية والأخلاقية لإبراهيم. ففي إنجيل يوحنا (8: 39-44)، يواجه يسوع المسيح الذين ادعوا الاحتكار التاريخي قائلاً: "لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أعمال إِبْرَاهِيمَ! ... أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا".

ثالثاً: التوثيق القرآني والسنة النبوية: استرداد الملة والنسب العريق

جاء القرآن الكريم ليضع الفصل القطعي في هذه القضية، بقطع الطريق أمام إسقاط المسميات المتأخرة على الأنبياء، وتنزيه الخليل واسترداد ملته لتكون هي الأصل الأصيل للأمة:

إبطال الدعوى التاريخية: قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَلَا تَعْقِلُونَ} (آل عمران: 65).

التنزيه ونفي المذهبية الطارئة: قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران: 67).

تأكيد النسب والهوية: ترتبط الأمة العربية والإسلامية بإبراهيم نسباً وفكراً، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ينتسب لعدنان من ولد قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم، كما جاء في الحديث الصحيح: "إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ..." (رواه مسلم).

وتتجلى هذه الرابطة يومياً في الصلاة الإبراهيمية وفي مناسك الحج الممتدة في عمق الجغرافيا والذاكرة العربية.

التفريق بين الجغرافيا والإيديولوجيا: أثبت التفكيك التاريخي أن مسمى "يهوذا" كان مجرد تسمية جغرافية محددة لإقليم في جنوب فلسطين برز في العصر الفارسي، وأن تحويله إلى هوية دينية وقومية مغلقة هو نتاج تشكلات متأخرة لا علاقة لها بعصر إبراهيم الخليل.

استرداد الرموز الحضارية: إن تنكر بعض الطروحات الشائعة لشخصية إبراهيم الخليل تحت دعوى التفاخر بالأصول الكنعانية ينم عن قراءة سطحيّة للتاريخ، ويعد تنازلاً عن أثمن المكونات الروحية والثقافية التي تشكل الهوية العربية والإسلامية.

وحدة السلسلة التوحيدية في المنطقة: تشير المصادر الدينية والتاريخية المتعددة إلى أن الحركة الإبراهيمية كانت امتداداً للقبائل العربية الشمالية والسامية المبكرة في منطقة بين النهرين والشام والجزيرة العربية، ومثلت التأسيس الأول للتوحيد الحنيفي الجامع.

التأكيد على المنظور القرآني: يظل النص القرآني هو المرجع الأكثر دقة وتحريراً للحقيقة التاريخية، حين حسم التنزيه الإبراهيمي من كافة التأطيرات المذهبية والجغرافية المتأخرة، مستعيداً الملة الإبراهيمية كجذر حضاري وروحاني أصيل للأمة.

ومن الناحية التاريخية والأنثروبولوجية، و في سياق حركة إبراهيم ونشأة أبنائه وأبناء أبنائه فإنهم جميعاً ينتمون ديمغرافياً إلى القبائل العربية الشمالية التي استوطنت الشام وشمال الجزيرة ( كالأنباط والقيداريين والأدب إيليين والآدوميين وغيرهم ممن أطلق عليهم الاسمعيليين القدماء)، وهم المكونات الأصيلة لنسيج المنطقة قبل بزوغ أي كيانات استعمارية طارئة.

إن تحرير المفاهيم وإعادة قراءة النصوص والمصادر القديمة بعيون نقدية علمية - بعيداً عن التلفيقات الأيديولوجية والإسقاطات التاريخية المتأخرة - ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة لحماية الذاكرة الحضارية للأمة. لقد أثبت التفكيك التاريخي واللغوي واللاهوتي، الممتد من نصوص التوراة والإنجيل وصولاً إلى القول الفصل في القرآن الكريم، أن إبراهيم الخليل عليه السلام لم يكن يوماً جزءاً من مسمى جغرافي ضيق أو مذهب طارئ تشكّل بعده بقرون طويلة.

وفي هذا السياق، علينا أن نسجل حقيقة منهجية جليلة، وهي أن علم الآثار (الأركيولوجيا) علم غير ثابت بل متغير وتراكمي؛ فالأرض لم تفصح بعد عما فيها من سجلات، وما زال باطنها يختزن الجانب الأكبر من تاريخ المنطقة. وكثير من المسلمات القديمة والفرضيات الكلاسيكية — التي صِيغ بعضها تحت تأثير أيديولوجي في القرون الماضية — تتعرض اليوم لتصحيح وتفكيك مستمر مع كل كشف ميداني وتقنية تحليل حديثة، مما يبطل الاعتماد على الفرضيات الأركيولوجية المنقوصة لنفي الحقائق الدينية والتاريخية الثابتة.

إن محاولات التنصل من هذا الإرث العريق بحجة التفاخر بالجذور الكنعانية لا تمثل سوى هدم مجاني لعمقنا التاريخي، وتسليم جاهل لأحد أهم أركان الهوية العربية والإسلامية. فإبراهيم عليه السلام، برحلته ورسالته ونسبه الممتد في قبائل العرب الشمالية، يمثل الأصل الحنيفي الجامع والرمز الحضاري الشامخ الذي لا يُستجدى ولا يُوهَب، بل يُسترد بالوعي والعلم والأصالة.