زكريا محمد: الراعي الذي حرس الأبجدية ومضى خفيفاً
لم يكن زكريا محمد مجرد شاعر يمشي على هامش النص، بل كان راعياً للمعنى، نباّشاً في ذاكرة الأرض، وحارساً للنقوش الكنعانية الأولى. عبر حياتنا كنسمة جبلية، لم يطلب من الدنيا جاهاً ولا صخباً، بل حمل عصاه ومضى يفك طلاسم الصحراء
هل يموت من صاهر الحجر، وعجن عمره بطين الأسطورة؟
لم يكن زكريا محمد مجرد شاعر يمشي على هامش النص، بل كان راعياً للمعنى، نباّشاً في ذاكرة الأرض، وحارساً للنقوش الكنعانية الأولى. عبر حياتنا كنسمة جبلية، لم يطلب من الدنيا جاهاً ولا صخباً، بل حمل عصاه ومضى يفك طلاسم الصحراء، ويعيد للنباتات المنسية أسماءها، وللآلهة القديمة هيبتها.
وفي ذكرى غيابه، نستحضره لا لنبكيه، بل لنقرأ فيه فلسطين العميقة، الممدودة في جذور التاريخ. هو الشاعر الذي طوع النثر حتى صار كالصلصال في يديه، والمفكر الذي أعاد ترتيب الصور المائلة ليمنحنا رؤية أكثر نقاءً. مضى زكريا خفيفاً، ترك لنا ممرات طويلة مسيجة بشجر اللوز، وأمانة ثقيلة لحراسة النقوش، لتظل كلماته أصداءً حية تنبض في روع المدى:
أثر الراعي يمتد في طين الأسطورهْ
يفك رموز الحجر الكنعانيِّ..
ويبني للغياب ممرات من شجر اللوزْ
لم يمتْ.. بل أعاد ترتيب الصور المائلهْ
ومضى خفيفاً كآخر السطر في قصيدة النثرْ!
مضى.. وترك لنا حراسة النقوش القديمهْ
وأسماء النباتات التي نسيها العابرونْ.
كان يمشي يجر خلفه عشب الحكايهْ،
ويهمس للحجر: "كن كتاباً لأولادنا".
يا صاحب "الجواد" و"العصا" والرؤى..
كيف لملّمت أبجدية الأرض في صرّة،
وأودعتها في رحم التراب؟
في غيابك.. لم تقفر المسالك،
بل صار الطين أقرب إلى السماءْ،
وصارت كل لوزة في الجليل أو رام اللهْ
تقرأ للريح صفحة من ديوانك الأخيرْ!
هناك.. حيث "ذات النصال" تروي سيرتها،
والطيور تعود إلى أعشاشها الأولى في نصوصك.
نفضت الغبار عن آلهة طاعنة في النسيانْ،
وأعدت للمجاز هيبته.. وللصحراء أمومتها.
لم تكن باحثاً عن ماضٍ مهجورْ،
بل كنت تحفر في جدار الحاضر ليمر الضوءْ.
تسير بين القبور نبياً يقرأ الشواهدْ،
ويعيد للموتى أسماءهم الحقيقيهْ.
سلام عليك.. يا من عبرت بلا صخبْ،
تركت نعليك عند عتبة المعنى،
وصعدت جبل الغياب الشاهقْ..
ترعى غيوماً قديمة،
لم يلمسها أحد قبل قصيدتك
د. علاء أبوعامر