خيوط الشمس: كيف سافرت غرزة كنعان من جبال فلسطين إلى سهوب أوكرانيا؟
تطرح هذه الدراسة التاريخية حقائق تدحض المزاعم الصهيونية وتكشف كيف انتقلت غرزة التطريز الكنعاني من فلسطين إلى أوكرانيا لتؤكد أسبقية التراث الفلسطيني
بقلم:د. علاء أبوعامر
في البدء، لم يكن التطريز مجرد زينة تُلقى على أطراف القماش، بل كان لغةً سرية خطّتها أصابع النساء قبل أن يعرف العالم الأبجدية. ومن بين كل بقاع الأرض، كانت فلسطين مغزلاً للحضارة؛ هناك، فوق المرتفعات الكنعانية وقبل أكثر من أربعة آلاف عام، كانت المرأة الكنعانية تغمس خيوط الحرير والكتان في صبغة الأرجوان، وترسم على ثوبها حكاية الأرض، والخصوبة، وعلاقة الإنسان بالسماء. كانت تلك الغرزة الهندسية المتقنة، والمعروفة اليوم بـ "القطبة الفلاحية"، أول توثيق بصري لهوية الإنسان وارتباطه بترابه.
ولكن، كيف يمكن لثوبٍ غُزل في جبال نابلس، القدس، أو بيسان، أن يرتدي أحفاده قميصاً قريب الشبه به في سهوب أوكرانيا البعيدة، تحت اسم "الفيشيفانكا"؟ الإجابة تكمن في قصة مذهلة منسوجة بحد حوافر الخيول، وشواهد أثرية دامغة يحكيها لنا التاريخ في دفتيه.
على الرغم من أن المواد العضوية من أقمشة وخيوط تفنى وتتحلل في تربة فلسطين عبر آلاف السنين، إلا أن الكنعانيين تركوا لنا "صوراً فوتوغرافية أثرية" حفرت شكل أزيائهم ومطرزاتهم في سجلات الخلود البصرية.
إذا تتبعنا خطوط الذاكرة في بطن الأرض، سنجد أول الشواهد في "جداريات مقابر بني حسن" في مصر، والتي تعود إلى عام 1890 قبل الميلاد. هناك، وثّق الفراعنة بدقة ملونة قوافل جيرانهم الكنعانيين وهم يزورون مصر. لقد ظهر الكنعانيون والكنعانيات بأثواب طويلة زاهية، تزدحم بنقوش هندسية دقيقة ومربعات متقاطعة باللونين الأحمر والأزرق، تختلف تماماً عن الملابس المصرية البيضاء البسيطة. كانت هذه الجدارية إثباتاً مرئياً على أن الملبس الكنعاني كان لوحة مطرزة ومصبوغة بحرفية عالية منذ الألف الثانية قبل الميلاد.
وعند العودة إلى قلب فلسطين، وتحديداً في القصر الملكي الكنعاني بمدينة مجدو التاريخية، عثر علماء الآثار على "عاجيات مجدو" الشهيرة التي تعود للقرن الثاني عشر قبل الميلاد. في إحدى هذه القطع العاجية المنحوتة بدقة، يجلس حاكم كنعاني على عرشه محاطاً بحاشيته، وتظهر ياقات ملابس الملك وأطراف أثواب النساء مزينة بحواف هندسية ومربعات محفورة في العاج. هذا النحت الدقيق لم يكن سوى محاكاة بصرية أمينة لـ "التحشية" والتطريز الكنعاني الفاخر الذي زينه الحرير المصبوغ بأصداف "الموريكس" الأرجوانية، والتي عُثر على أحواض صباغتها ومغازلها الفخارية بكثافة في مواقع أثرية ممتدة من تل كيسان إلى غزة.
وحتى الرموز لم تكن وليدة الصدفة؛ فالنجمة الثمانية الشهيرة اليوم في الثوب الفلاحي باسم "نجمة كنعان"، عُثر على أصولها الهندسية منقوشة على صخور الأدوات الفخارية والجدران في كهوف أريحا القديمة التي تعود لما يقارب 4500 عام. لقد نقلت المرأة الفلسطينية هذا الرمز عبر الأجيال من الفخار والصخر الحجري، لتجعله غرزة مقدسة تتوسط صدر ثوبها.
هذه الحضارة الكنعانية المستقرة والثرية بفنون النسيج والتطريز، تلقت زواراً غير متوقعين في القرن السابع قبل الميلاد. لقد هزّت الأرض قعقعة سلاح فرسانٍ قادمين من الشمال البعيد؛ إنهم السكيثيون، القبائل البدوية المحاربة التي كانت تتخذ من سهوب أوكرانيا الحالية موطناً لها.
اندفعت هذه الجيوش الأسطورية جنوباً كالسيل، تجوب الممالك، حتى وطئت أقدامهم أرض فلسطين الخصبة. ولم يمروا بها عابرين؛ بل فتنتهم هذه البلاد واعتدلوا فيها، فاستوطنوا جبال السامرة ومحيط نابلس، وتمركزوا بقوة في مدينة بيسان، حتى إن المدينة سُميت في العصور الهيلينستية اللاحقة باسم "سكيتوبوليس" (Scythopolis) أي "مدينة السكيثيين".
هناك، في أحضان الهوية الكنعانية المتقدمة، التقى السيف بالمرود، والبدوي المحارب بالحضري المزارع. تعلّم السكيثيون من أهل فلسطين تقنيات النسيج المتقدمة وأسرار غزل خيوط "الفوّة" لإنتاج اللون الأحمر القاني، والأهم من ذلك: تبنّوا أشكال "الغرزة المصلبة" الكنعانية ورموزها الهندسية المستوحاة من الطبيعة والتربة.
وعندما تراجعت حاميات السكيثيين لاحقاً، أو عندما تحركت قوافل التجارة العائدة إلى موطنهم الأصلي شمال البحر الأسود (أوكرانيا الحالية)، لم يحملوا معهم السلاح والذهب فحسب، بل حملوا في جعبتهم "الجينات الثقافية" لفلسطين. نقلوا تلك التقنيات الحرفية والرموز البصرية، لتتحول مع مرور القرون إلى "الفيشيفانكا" الأوكرانية الشهيرة.
هذه الرحلة التاريخية تفسر لنا ذلك التطابق الذي يقترب من حد المعجزة بين الثوبين اليوم؛ فنجمة كنعان الثمانية التي نجدها في الشواهد الأثرية لأريحا ومجدو وتتوسط صدر الثوب الفلسطيني لترمز للخصوبة، هي ذاتها "النجمة الثمانية" (Ruzha) التي تزين ياقة القميص الأوكراني لتطرد الشر وتحمي الحياة. والخطوط المتعرجة التي تمثل مجاري المياه والتربة في الفن الكنعاني، هي ذاتها المعينات والمربعات التي تحكي قصة حقول القمح في شرق أوروبا.
إن هذا التماثل البصري المذهل بين التطريز الفلسطيني والتطريز الأوكراني ليس مجرد مصادفة فنية عابرة، أو تلاقٍ عفوي للأفكار، بل هو "وثيقة سفر" تاريخية معمدة بحوافر الخيول السكيثية، التي نقلت بذور الفن الكنعاني من جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى شمال البحر الأسود. غير أن هذه الحقيقة التاريخية لم تسلم من تشويه غُرف البروباغندا ومحاولات السطو الصهيوني الممنهج، والتي يقودها أبواق التزييف مثل "تيدي كوهين" وأمثاله، في محاولة بائسة لقلب حقائق الجغرافيا والتاريخ، والادعاء زيفاً بأن الفلسطينيين سرقوا هذا التراث من الأوكران.
إلا أن منطق الآثار ولغة الأرقام يصفعان هذه الأكاذيب الصهيونية بقسوة؛ فلا يمكن للسرقة الثقافية أن تحدث "بأثر رجعي" في التاريخ. حين كانت المرأة الكنعانية ترسم بخيوط الحرير والأرجوان ملامح هويتها على أثواب "بني حسن" و"عاجيات مجدو" قبل أربعة آلاف عام، لم تكن "الفيشيفانكا" الأوكرانية بنقوشها الحالية قد وُلدت بعد في رحم الزمن، حيث لم تزدهر كظاهرة شعبية إلا في العصور الوسطى وعصر "كييف روس" بعد القرن العاشر الميلادي. لقد كانت فلسطين الكنعانية هي المركز المصدّر للوعي والجمال، وشعوب شمال البحر الأسود كانت المستورد المتأثر بتلك التقنيات النسيجية الفاخرة.
إن الهجمة الصهيونية الشرسة لتجريد الفلسطيني من تراثه، ونسبه تارة للأوكران وتارة أخرى للبولنديين، هي امتداد للمشروع الاستعماري الذي يحاول محو الإنسان ليتبنى مكانه أزياءه ومأكولاته. ولكن، عندما يعترف العالم واليونسكو بالتطريز الفلسطيني كإرث بشري خالص للفلسطينيين، وعندما تنطق حجارة أريحا وعاجيات مجدو بأقدمية غرزة كنعان، تسقط الرواية المضللة ويندثر الصخب السياسي. ستبقى غرزة التطريز الفلسطينية أقوى من عاديات الزمن وأبقى من قوى الاحتلال؛ لقد رحلت عبر آلاف الكيلومترات لتصنع مجداً بصرياً استعارت منه شعوب الأرض، ولتظل هذه الخيوط شاهدًا أزليًا على أن التراب الذي أنبت الفن أول مرة، لا يمكن أن تموت فوقه الذاكرة.
ملاحظة:هذا البحث لي لم يسبقني أحد إلى ذلك، بحثت في كتب التاريخ بعد اقوال وفبركات الصهاينة وهذه هي الحقيقة كاملة ولا تفسير آخر.
المصدر: يلا نيوز نت