ظلال الزيتون ونبوءة الطين: كيف سرقت الأيديولوجيا جغرافيا الأنبياء؟

كيف سرقت الأيديولوجيا السياسية جغرافيا الأنبياء والتاريخ الروحي لفلسطين، وما هي الحقيقة وراء الإرث الإبراهيمي والارتباط بالأرض المقدسة؟

ظلال الزيتون ونبوءة الطين: كيف سرقت الأيديولوجيا جغرافيا الأنبياء؟
ظلال الزيتون ونبوءة الطين: كيف سرقت الأيديولوجيا جغرافيا الأنبياء؟

بقلم:د. علاء أبوعامر 

منذ أن وطئت أقدام الأنبياء صخرة بيت المقدس، وسارت قوافلهم في فجاج فلسطين، لم تكن هذه الأرض مجرد مساحة من تراب وصخر، بل كانت لوحاً سماوياً كُتبت عليه رسالات السماء بمداد الوحي والتاريخ. غير أن السياسة الحديثة، حين تلبست لبوس الدين، حاولت إحاطة هذا المدى الكوني بأسلاك شائكة من الأيديولوجيا الضيقة، حتى بات السؤال يتردد بوجل: هل إذا دعيناها "أرض التوراة" نكون قد سقطنا في فخ التبني للفكر الصهيوني؟ 

وهل إذا اسميناها "أرض الإنجيل" نرتدي مسوح الصليبيين أو نتحول إلى صهاينة مسيحيين؟

إن الإجابة المرتخية على جذوع التاريخ تصيح بـ "لا" قاطعة. فالأسماء والصفات التي تفيض بها كتب السماء هي حقائق جغرافية وروحية سابقة بقرون طوال على ولادة الأيديولوجيات الاستعمارية والقومية الحديثة. حين أطلق القرآن الكريم عليها وصف "الأرض المقدسة"، وحين بثت الأحاديث النبوية بركتها باعتبارها "أرض الأنبياء والرسل"، لم تكن هذه التسميات إقصاءً لتاريخ بل كانت احتواءً له. القداسة هنا تعني التطهير والبركة التي حلت بالمكان لأن إبراهيم مرّ من هنا، ولأن عيسى ولد ونطق بالحق هناك. لقد كانت هذه الأرض مباركة ومقدسة في وجدان البشرية قبل أن تخترع الحركة الصهيونية أدبياتها السياسية بألفي عام، وقبل أن تتخذ من الرموز التوراتية الروحية—كأرض الميعاد وصهيون—(وهي العبارات التي تتطابق مع الوصف الاسلامي كالأرض المقدسة والمباركة وارض المحشر والمنشر ليس إلا) أنها عبارات توراتية استخدمت كأدوات علمانية لحشد المهاجرين واغتصاب الجغرافيا.

وإذا ما غصنا في عمق هذا الطين المبارك، متتبعين خيوط النسب والروح، سنجد أن الأبوة الإبراهيمية تفكك هذه الاحتكارات الأيديولوجية من جذورها. إبراهيم عليه السلام، الذي تنحني له الهامات في صلوات المسلمين اليومية عبر "الصلاة الإبراهيمية"، والذي يعيد الحجيج تمثيل خطى عائلته في مكة كل عام، ليس حكراً على سلالة دون أخرى. إنه، بحسب النص التوراتي والقرآني والتاريخي، أبو قبائل كثيرة؛ هو أبو العرب الشماليين (العدنانيين) عبر ابنه البكر إسماعيل، وهو أبو الأدوميين (بني عيسو) الذين سكنوا جنوب فلسطين والأردن، وهو أبو الكثير من القبائل العربية المنسية عبر زوجته قطورة—كمديان وغيرهم مايقارب الستة قبائل وخرج منهم شعيب—مثلما هو أبو الأسباط بني يعقوب أشقاء الادوميين وهم عرب مثلهم.

وايمانيا تبرز الروعة البنيوية في التمييز القرآني الذي يفصل الأسباط—أولاد يعقوب الاثني عشر الذين كانوا حنفاء مسلمين—عن مسمى "اليهود". إن الأيديولوجيا الصهيونية تمارس اختزالاً تاريخياً مرعباً حين تحصر هذا الإرث الإبراهيمي الضخم والمتشعب في سبط واحد، مدعية أن يهود العالم امتداد له وأنها تمتلك صك ملكية سياسية حصرية. لكن التاريخ الحقيقي، غير الخاضع لسطوة التسييس، يصفع هذا الادعاء بحقيقة لغوية وعقائدية صارمة: إن مصطلح "اليهودية" كدين منظم ومؤسسي مغلق لم يتبلور في التاريخ إلا في القرن الخامس الميلادي، إبان عصر التدوين والتلمود البابلي وظهور اليهودية الربانية، وذلك بعد رحيل إبراهيم والأسباط وموسى بقرون متطاولة. فكيف لمن مات قبل ولادة المصطلح بآلاف السنين أن يُحشر في ضيقه؟

إن هذا التزييف التاريخي لم يكن ليغيب عن البصيرة النبوية، وحين قدم النبي محمد ﷺ إلى المدينة ووجد قوماً يحتكرون الفرح بنجاة موسى، أطلق صيحة الحق التاريخي الكبرى: "نحن أولى بموسى منهم". لم تكن هذه العبارة مجرد كلام عابر، بل كانت إعلاناً إسلامياً صريحاً لرفع يد الاحتكار السياسي والعِرقي عن الأنبياء. فموسى عليه السلام لم يأتِ ليؤسس قومية منغلقة، بل كان حلقة في سلسلة ذهبية واحدة. فالنص القرآني حاسم في أن جميع الأنبياء هم أبناء دين واحد هو الإسلام بمعناه الكوني—أي الاستسلام والتوحيد لله—وأن الأنبياء كما وصفهم الرسول "إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى". فالأب الواحد هو العقيدة الثابتة، والأمهات هي الشرائع التي تتبدل بتبدل الأزمان. بناءً على هذا، لا علاقة للأنبياء القدامى بـ "اليهودية الحخامية الربانية" التي صيغت في غرف التدوين المتأخرة، بل هم أنبياء التوحيد الذين يمثل المسلمون اليوم امتدادهم الروحي والأخلاقي الحقيقي.

إن هذا الإبحار في لُجّة الدين والتاريخ يقودنا إلى استنتاجات جوهرية وثابتة:

 أولاً: الأيديولوجيات السياسية الحديثة قد تملك القدرة على تشويه النصوص وسرقة المصطلحات، ولكنها عاجزة تماماً عن إلغاء حقائق التاريخ؛ ففلسطين تاريخياً هي أرض تعاقبت عليها الحضارات والشعوب، والإرث الإبراهيمي فيها هو مشاع روحي وإنساني لا يمكن لأي حركة سياسية احتكاره بناءً على حقبة زمنية منتقاة.

 ثانياً: إن شرعية الوجود والارتباط بالأرض في المنظور الديني الحقيقي—ولا سيما الإسلامي—ليست شرعية "دم وجينات"، بل هي شرعية "عقيدة ومنهج"؛ فحين قال النبي "نحن أولى بموسى"، وحين حسم القرآن أن أولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوا ملته، تكسرت أطماع العرقية السياسية على صخرة التوحيد العالمية، لتصبح الأرض لمن يحمل رسالة الأنبياء لا لمن يرفع جيناتهم ذريعة للظلم والتهجير.

 ثالثاً: القول بأن فلسطين أرض التوراة والإنجيل هو إقرار بالهوية الدينية التاريخية المتكاملة للمكان، والتي يرى الإسلام نفسه امتداداً وحارساً وخاتماً لها، لا لغواً لها. فالصهيونية، بفرعيها اليهودي والمسيحي، ليست سوى نتاج قراءة مسيسة حديثة ملفقة وظفت الدين لخدمة غايات استعمارية، بينما تظل الأرض المقدسة أوسع أفقاً وأعمق تاريخاً من كل تسييس عابر، ويبقى العرب والمسلمون سدنة هذا الإرث وملاكه الحقيقيين جغرافيا وروحاً.